الملا فتح الله الكاشاني
168
زبدة التفاسير
متضمّن معنى : أتت . * ( فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً ) * سترا يستر خلفه * ( فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا ) * يعني : جبرئيل . سمّاه اللَّه الروح وأضافه إلى نفسه ، لأنّ دينه يحيا به وبوحيه ، أو محبّة له وتقريبا وتشريفا ، كما تقول لحبيبك : أنت روحي . * ( فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ) * فانتصب بين يديها في صورة آدميّ صحيح لم ينتقص من الصورة البشريّة شيء . وقيل : قعدت في مشرفة « 1 » للاغتسال من الحيض في يوم شديد البرد ، محتجبة بحائط أو بشيء يسترها ، وكان موضعها المسجد ، فإذا حاضت تحوّلت إلى بيت خالتها ، فإذا طهرت عادت إلى المسجد ، فبينا هي في مغتسلها أتاها جبرئيل متمثّلا بصورة شابّ أمرد ، وضيء الوجه ، جعد الشعر ، سويّ الخلق ، لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه ، ولو بدا لها في الصورة الملكيّة لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه ، وكان تمثيله على تلك الصورة الحسنة ابتلاء لها وسبرا « 2 » لعفّتها . قيل : كانت في منزل زوج أختها زكريّا ، ولها محراب على حدة تسكنه ، وكان زكريّا عليه السّلام إذا خرج أغلق عليها الباب ، فتمنّت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي « 3 » رأسها ، فانشقّ السقف لها فخرجت وجلست في المشرفة وراء الجبل ، فأتاها الملك . وقيل : قام بين يديها في صورة ترب « 4 » لها اسمه يوسف ، من خدم بيت المقدس . ودلّ على عفافها وورعها أنّها تعوّذت باللَّه من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن ، بأن * ( قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ) * أي : إن كان يرجى منك أن تتّقي اللَّه
--> ( 1 ) أي : في موضع عال مطلّ على غيره . ومشارف الأرض : أعاليها . والواحدة : مشرفة . ( 2 ) سبر الأمر سبرا : جرّبه واختبره . ( 3 ) فلي يفلي رأسه أو ثوبه : نقّاهما من القمل . ( 4 ) الترب : من ولد معك ، وكان على سنّك . وجمعه : أتراب .